الرئيسية » دفتر حكاوي زمان » عندما استحل ” الخليفة المأمون” دماء ” الأقباط البشمورين” و خلدته ذاكرة مصر بـ “شارع”
أسر أهل البشمور
أسر أهل البشمور

عندما استحل ” الخليفة المأمون” دماء ” الأقباط البشمورين” و خلدته ذاكرة مصر بـ “شارع”

بين يومي الثالث عشر و الرابع عشر من شهر سبتمبر لعام 786 سنة ولد الخليفة المأمون العباسي القابع على كرسي الحكم في بغداد لأسرة تولت نفس المنصب ، فوالده هارون الرشيد وعمه موسى الهادي وجده الخليفة المهدي ووالد جده أبو جعفر المنصور الخليفة .
بين تاريخ ميلاد المأمون سنة 786 م ، و تاريخ 832 ميلادية كانت مصر تموج بما تموج به مشاعر السياسة الإسلامية السياسية في نظام الخلافة ، غير أن نيران تلك الأحداث التي شهدتها دمشق والعراق في العصر الأموي و العباسي لم تطول مصر إلا بعد 46 عاماً حينما كان المأمون حاكماً .

عملة من عصر المأمون

عملة من عصر المأمون

في منطقة البشمور على ساحل الدلتا بين فرعى رشيد ودمياط، اندلعت ثورة الأقباط في مصر ودخل فيها أهالي الوجه البحري و القبلي في آنٍ واحد ، ليكن ذلك هو أقوى صرخة قوية في وجه الحكم الإسلامي بالعصر العباسي .
وجاءت تلك الثورة بسبب الغضب على الوالي العباسي  عيسى بن منصور بسبب الضرائب التي فرضها
كان الوضع بالنسبة للأقباط مزرياً فقد كانت القسوة عليهم شديدة من أجل دفع الجزية والخراج وخاصةً الفلاحين منهم في البشمور .
لدرجة أن عمال الوالي كانوا يربطوا الأقباط بسلاسل ويجرنوهم ضرباً لمطاحن الغلال حتى يطحنوا الحبوب كما تقوم الدواب ، مما جعلهم يبيعون أولادهم لدفع الجزية .
لكن سهم صبرهم نفذ فقرروا الثورة .

الأنبا يوساب

الأنبا يوساب

البابا يوساب كان يحاول التهدئة ليس لصفقة مبرمة بينه وبين بغداد لكن لأنه كان يعي أن المسألة لن تمر دون دماء وهو الأمر الذي يرفضه ، لكنه فشل فشلاً ذريعاً حيث أن نظرات البشمورين المظلومة الثائرة كانت أقوى ورغبتهم في الثورة كانت أكبر من مجرد التهدئة .

مواجهة البشمورين

مواجهة البشمورين

قرر المأمون إرسال أخيه المعتصم بجيش بلغ عدده 4 آلاف مقاتل فأفنوا جزئاً كبيراً من أهل البشمور دون أن ينجح في وأد الثورة .
فقرر المأمون إرسال جيش آخر من الأتراك بقيادة “أفشين” التركي بغرض التنكيل بالثوار فحاربوه وقتلوا من الجيش عددا وافرا، ثم جرد عليهم عسكر آخر فكسروه.

عملة من عصر الخليفة المأمون

عملة من عصر الخليفة المأمون

أضطر الخليفة المأمون أن يأتي هو بنفسه من بغداد إلى مصر على رأس قوة حربية لإخماد ثورة الأقباط التي فشل في إخمادها كل قواده الذين أرسلهم سابقاً.

ثورة البشمور

ثورة البشمور

رغم الدماء التي تم سفكها لم يحقق المأمون ظفراً إلا عن طريق السياسة الغير شريفة حيث
أنه استدعى الأنبا ديونيسيوس البطريرك الإنطاكي واستدعى معه الأنبا يوساب الأول بطريرك الأقباط وطلب منهما تحت التهديد أن يتعاونا معه في إخماد ثورة الأقباط.

ساويرس بن المقفع

ساويرس بن المقفع

ساويرس بن المقفع في كتابه تطرق للمسألة قائلاً “حررا للثوار رسالة بها نصائح ومواعظ يحُثا فيها الثوار أن يلقوا بسلاحهم ويسلموا أنفسهم لولاة الأمير ، وفي الوقت الذي كان الثوار في أمس الحاجة للمعونة المادية والمعنوية حتى يتمكنوا من التخلص من الظلم” .
ويلمح مخطوط الخريدة النفيسة في تاريخ الكنيسة للأسقف إيسيذورس رد فعل الأقباط قائلاً “
واستعدوا لمقاومة من يقصد سلب استقلالهم وإذلالهم ، وبعد حروب دموية بينهم وبين عساكر المأمون كان النصر دائما في جانب الثوار ، وقاد الخليفة الجيش بأجمعه الى حومة الوغى وأطلق نار الحرب ، ولم يدخر من قوته وسعا حتى أضعف الثوار” .
قام المأمون بالتركيز المأمون على المناطق الحيوية فأحرق المساكن والكنائس وتم قتل الصغار وسبى نساءها وأجلى الخليفة رجالها إلى جزر الروم الخاضعة له وإلى بغداد أما الجثث فتم تركها للصقور “.

أسر أهل البشمور

أسر أهل البشمور

تم أسر غالبية الثائرين أو بمعنى أدق من تبقى منهم على قيد الحياة وسافروا على سفن إلى أنطاكية حيث أرسلوا إلى بغداد وكان يبلغ عددهم ثلاثة آلاف، مات معظمهم في الطريق أما الذين أسروا في أثناء القتال فقد سيقوا كعبيد ووزعوا على العرب، وبلغ عدد هؤلاء خمسمائة، فأرسلوا إلى دمشق وبيعوا هناك .
ثورة البشمورين بالنسبة للمؤرخين المسلمين لم تختلف نظرتهم لها عن نظرة الأقباط

غلاف كتاب المقريزي

غلاف كتاب المقريزي

فتقي الدين المقريزى قال ” انتفض القبط فأوقع بهم “الأفشين” على حكم أمير المؤمنين عبد الله المأمون فحكم فيهم بقتل الرجال وبيع النساء والذرية، فبيعوا وسُبى أكثرهم، حينئذ ذلت القبط في جميع أرض مصر”

غلاف بدائع الزهور فى وقائع الدهور

غلاف بدائع الزهور فى وقائع الدهور

بينما قال بن إياس في بدائع الزهور في وقائع الدهور ” إن الأمير عيسى أقام بمصر، وفي أيامه اضطربت أحوال الديار المصرية، وخرج أهلها عن الطاعة، وحصل بينهم وبين عساكر الفسطاط من الحروب العظيمة ما لا يمكن شرحه؛ فكاتبوا المأمون بذلك، فجهز العساكر، وخرج بنفسه من بغداد صحبتهم، وتوجه إلى مصر، فدخل في عساكر عظيمة، وكان صحبته أخيه المعتصم وولده العباس وأولاد أخيه، وهما الواثق والمتوكل، وغير ذلك من أعيان بغداد.
فلما حضر عيسى بن منصور (أمير مصر الذي عينه المأمون) بين يديه، وبخه بالكلام، وقال له: “هذا كله بسوء تدبيرك وجورك على أهل القرى وقد حملت الناس ما لا يطيقون، وكتمت الأمر عني حتى عظم”.
“ثم أن المأمون عين الأفشين، وكان شجاعًا بطلاً، فأخذ طائفة من العسكر، وتوجه إلى أعلى الصعيد، وحارب أهلها، وقتل منهم جماعة كثيرة، وأسر النساء والصبيان، وأحضرهم بين يدي المأمون، فأمر بقتل الرجال وبيع النساء والصبيان”.
وعندما انتصر المأمون سنه 832 م مكث شهرين في مصر ثم ذهب إلى بغداد ولم يعش غير عده شهور وتوفى في خريف833 م، ثم تولىَ الخلافة أخوه المعتصم فأطلق البشموريين من السجون، ربما لشعوره بالذنب مما فعله الولاة تجاههم.
الغريب أن مصر لم تنسى ما جرى للبشمورين لكنها لم تذكرهم أو تذكر ما جرى لهم في مناهج التعليم أو حتى الأعمال الدرامية ، لكنها خلدت المأمون نفسه على شارع سُمِّي باسمه في منطقة مصر الجديدة  

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*