الرئيسية » وثائق تراثيات » الأيام الأخيرة للدكتور كلوت بك في مصر «المعاش بـ 14 جنيه وهو خارجها»
شارع كلوت بك في مصر
شارع كلوت بك في مصر

الأيام الأخيرة للدكتور كلوت بك في مصر «المعاش بـ 14 جنيه وهو خارجها»

تقرأ في هذا التقرير «كيف أمضى كلوت بك في مصر أيامه الأخيرة ؟، ما بين كلوت بك وولاة ما بعد عصر محمد علي باشا، كلوت بك المسافر العائد»

كتب | وسيم عفيفي

لعبت الصدفة دورًا محوريًا طوال مسيرة الدكتور كلوت بك في مصر كأحد أهم رموز الطب خلال تاريخها الحديث، وأهم ركن يعتمد عليه محمد علي باشا في مشروع دولته.

كيف بنى كلوت بك في مصر مستقبله قبل أن يأتيها ؟

كلوت بك

كلوت بك

داخل بلدة جرونوبل أكبر مدن مقاطعة إيزير في منطقة أوفيرني رون ألب بجنوب فرنسا، ولد أنطوان بارتيليمي كلوت في 7 نوفمبر عام 1793 م.

اقرأ أيضًا 
تاريخ قصر محمد علي في شبرا «بناه لإنقاذ عرضه ودفن به أحياء»

لما وصل كلوت بك إلى سن الثامنة مات أبوه، فرعاه صديق والده الدكتور سابييه وجعله مساعدًا له وعلى يديه بدأت تتفتق عينه على الطب، وعندما وصل إلى سن 19 سنة قرر أن يذهب إلى مرسيليا ليتعلم فيها لكنه لم يتمكن من ذلك، وشيئًا فشيئًا لم يجد معه مالاً.

بلدة لا جولييت في مرسيليا

بلدة لا جولييت في مرسيليا

لكي يسد كلوت بك احتياجاته قرر أن يكون طبيبًا لدى إحدى السفن في مرسيليا لكن ذلك لم يتحقق لرفض رُبَّان السفينة الاستعانة بشاب صغير، وكان رفض قائد السفينة بمثابة أول حظ عظيم رآه كلوت بك إذ غرقت السفينة بعد تحركها بأيام.

صورة نادرة لجامعة مونبلييه

صورة نادرة لجامعة مونبلييه

أحاق الفقر بكلوت بك ونفذ منه رصيده المالي فقرر أن يعمل حلاقًا ليوفر المال وفي نفس الوقت يتعامل من خلالها مع الجراحة بالفصد، ثم دبر ماله ورجع إلى بلده وانكب على الدراسة ليلتحق بجامعة مونبلييه وفي نفس الوقت درس اللغة اللاتينية على يد أحد قساوسة الكنيسة.

أدوات كلوت بك الجراحية

أدوات كلوت بك الجراحية

عقب تخرجه من جامعة مونبلييه ذهب إلى مرسيليا وتم تعيينه في مستشفى الصدقة بوظيفة طبيب ثاني، ثم التحق بمستشفى الأيتام في منصب المستشار الجراحي وخلال منصبه ذلك ألف كتابًا عن آلات الولادة، وشيئًا فشيئًا تفنن في الجراحة عندما درس طبائع الحشرات وتشريحها وقرر أن يطبقها على البشر، لكن ذلك كان يحتاج إلى صدفة فكانت مصر.

رب صدفة خير من ألف معاد

القاهرة زمن محمد علي باشا - منطقة الأزبكية

القاهرة زمن محمد علي باشا – منطقة الأزبكية

تغيرت حياة كلوت بك عندما التقى بالمسيو تورنو التاجر الفرنسي الشهير في مرسيليا والذي أتى لها بتكليف من محمد علي باشا ليبحث عن طبيب جدير بمنصب طبيب الجيش، فوقع اختياره على كلوت بك والذي وافق وسافر إلى مصر.

مدرسة الطب في أبو زعبل

مدرسة الطب في أبو زعبل

ترك كلوت بك في مصر خلال عصر محمد علي باشا بصمات طبية هامة، فهو الأب الروحي لفكرة المستشفيات العسكرية، عندما أسس مدرسة أبو زعبل والتي تطورت فجاء منها مستشفى القصر العيني، كذلك كان هو المؤسس الفعلي للدراسة الطبية في مصر إذ كان أول مدير لمدرسة الطب عندما تأسست وتخرج منها 12 تلميذًا من المصريين، وأثبت كفاءة كبيرة في أزمات الأوبئة مثل الكوليرا والطاعون.

كلوت بك في مصر

كلوت بك في مصر

أعمال جليلة تركها أيضًا كلوت بك في مصر خلال عصر محمد علي باشا، فهو صاحب فكرة الوحدة الصحية والتي طبقها في نطاق القاهرة والإسكندرية وكانت تسمى بـ (الاستشارة) وألحق بكل مبنى لها صيدلية، وهو أيضًا صاحب فكرة التطعيم من الجدري الذي ساهم في ازدياد عدد المصريين بعدما كانوا يموتون به.

كلوت بك في درس تشريح بمصر

كلوت بك في درس تشريح بمصر

اكتسب كلوت بك في مصر وخارجها شهرة عظيمة خلال زمن محمد علي باشا، إذ سافر سنة 1840 إلى فرنسا لينشر تجربته في المحروسة، وكان أيضًا من المشهورين في بلاد الشام لما ذهب مع إبراهيم باشا إليها.

الأمير بشير الشهابي

الأمير بشير الشهابي

وقد استفاد شعب لبنان من تلك الزيارة فالأمير بشير الشهابي طلب من كلوت بك أن يقنع محمد علي باشا بإدخال عدد من اللبنانيين في مدرسة القصر العيني لصناعة الطب على نفقة مصر ووافق محمد علي باشا على ذلك.

كلوت بك في مصر ما بعد عصر محمد علي باشا

محمد علي في أواخر أيامه

محمد علي في أواخر أيامه

جاءت وفاة محمد علي باشا ومن بعده إبراهيم لتغير حياة كلوت بك في مصر، فقد تولى عباس حكم مصر وإثر ذلك سافر كلوت بك إلى مرسيليا ولم يعود إلى مصر إلا سنة 1856 م، وطوال فترته بمرسيليا عكف على مشروع الحجر الصحي وأعطته فرنسا رتبة كومندور دي لاليجيون دونور، وكرمته الكنيسة برتبة الكونت.

كلوت بك

كلوت بك

يفسر جرجي زيدان السبب في هجرة كلوت بك عن مصر خلال زمن عباس بقوله «الظاهر أنه رحل إلى مرسيليا في عهد عباس باشا الأول؛ لوحشة بينهما، فاستشار سعيد باشا في مَن يليق لتولِّي إدارة المدرسة الطبية، فاختار له خمسةً من نوابغ الأطباء؛ وهم: كلوتشي بك، وفيجري بك، وبرجير بك، وشافعي بك، ومحمد علي بك، فتبادَلوا رئاسةَ المدرسة الطبية والمستشفيات زمنًا».

وثيقة معاش كلوت بك

وثيقة معاش كلوت بك

عاد كلوت بك إلى مصر سنة 1856 وظل بها 4 سنوات ليغادرها سنة 1860 إلى مرسيليا واستقر بها ورغم إقامته في مرسيليا إلا أن مصر لم تنساه وتؤكد وثيقة من وزارة المالية هذا الأمر، إذ أرسل أحمد رشيد بك ناظر المالية إلى روزمانجي مصر خطابًا إحالة كلوت بك إلى المعاش وكان مقيدًا بالمالية بمرتب 10416 قرش و25 مليم بتاريخ 2 مارس 1862 م.

قبر كلوت بك

قبر كلوت بك

ظل المعاش يُصْرَف لكلوت بك حتى وهو خارج مصر حتى وفاته يوم 28 أغسطس 1868 م ودُفِن في مرسيليا، ومثلما أطلقت مصر اسمه على شارع، قامت جرونوبل ومرسيليا بإطلاق شارع على اسمه أيضًا.

[ المراجع ]

  • تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر ج 2 لـ جرجي زيدان
  • عصر محمد علي باشا لـ عبدالرحمن الرافعي
  • عصر الخديوي إسماعيل لـ عبدالرحمن الرافعي
  • وثائق وزارة المالية في دار الوثائق المصرية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*