الرئيسية » دفتر زمان » بين “يوسف زيدان” و “أحمد عرابي” ماذا أصاب و فيم أخطأ ؟
يوسف زيدان و أحمد عرابي

بين “يوسف زيدان” و “أحمد عرابي” ماذا أصاب و فيم أخطأ ؟

كتب ـ وسيم عفيفي
أثارت تصريحات الدكتور يوسف زيدان ـ عن ناظر الجهادية ورئيس النظار أحمد عرابي حالة من الجدل الشديد خاصة بعد أن جاءت تصريحاته بعد أشهر من هجومه على صلاح الدين الأيوبي .
وجاءت تصريحات يوسف زيدان في برنامج كل يوم مع الإعلامي عمرو أديب بفضائية
ON Ent ، لتنفي المشهد الشهير الخاص بوقفة عرابي أمام الخديوي توفيق في سبتمبر من عام 1881 ، هو مشهد وهمي ، موضحاً 
أن المشهد لم يحدث لا حرفا ولا لفظا ولا مشهدا ولا حوارا ، مشيرا إلى أن عرابي لم يقابل الخديوي من الأصل .
ومع الهجوم على يوسف زيدان ، قام بالرد عبر صفحته الشخصية على الموضوع قائلاً مستدلاً بشهادة الشيخ محمد عبده ” في عرابي ، حيث يقول ما نصُّه :
“أما عرابى فلم يكن بباله، ولا يهتف به فى منامه، أن يطلب إصلاح حكومة أو تغيير رئيسها.. فذلك مما كان يكبر على وهمه أن يتعالى إليه، وإنما الذى أحاط بفكره وملك جميع مقاصده ، هو الخوف على مركزه ، مع شدة البغضاء لمن كان معه من أمراء الجراكسة ”
حول ذلك الجدل الذي نال أحمد عرابي ، موقع تراثيات يكشف تفاصيل ما جرى تاريخياً بعيداً عن النزعات القومية التي تصف أحمد عرابي بالزعامة ، وبعيداً عن النزاعات الفكرية المدافعة عن يوسف زيدان .

ـ لماذا ثار أحمد عرابي ؟

مظاهرة أحمد عرابي

مظاهرة أحمد عرابي

يتمثل انتقاد يوسف زيدان لـ أحمد عرابي ، حول نفي الأول أي مشكلة متعلقة بالأتراك ، مشيراً إلى أنه لو كان الجيش حكراً للأتراك فكيف وصل عرابي إلى منصب “لواء” .
لكن في هذا خطأ وهو أن أحمد عرابي كان يشغل رتبة “أميرلاي” وهو منصب “العميد” .
كما تغافل الدكتور يوسف زيدان وضعية الترقية والالتحاق بالجيش ، حيث أن الجيش من ناحية التجنيد كان يضم كل المصريين ، لكن من ناحية القيادة كانت المناصب حكراً على الشراكسة لولا قرار والي مصر محمد سعيد باشا والذي أمر بإلتحاق أبناء مشايخ البلاد والعُمَد للجيش وإعطاءهم المناصب القيادية في الجيش .

أحمد شفيق باشا

أحمد شفيق باشا

كما أن أحمد شفيق باشا رئيس الديوان الخديوي في عابدين ، بمذكراته “مذكراتي في نصف قرن” ، أكد الأمر نفسه حول أسباب الثورة حيث قال أنها نشأت بسبب سخط أفراد من ضباط الجيش المصري، المتخرجين من تحت السلاح، والذين وجدوا أنفسهم محرومين من الترقي إلى رئاسة القيادات بالجيش خلافاً للجراكسة والأتراك .
هذا الظرف هو الذي جعل عرابي ورفاقه يشعرون بالظلم ، ولم يكن لعرابي ورفاقه ليستطيعوا التفكير في حالهم مدة حكم إسماعيل؛ لصرامته وشدة بطشه، لكنهم بدأوا يفكرون في ذلك بعهد توفيق؛ لما كانوا يعلمون عنه من روح المسالمة بدليل ترقية ثلاثة منهم إلى قيادة الآلايات في الشهر الأول من توليته، وهم: أحمد بك عرابي، وعلي بك فهمي، وعبد العال بك حلمي .
لكن غاب عن عرابي الظهير الشعبي وبالتالي فقد أراد العرابيون حماية أنفسهم بضم سلطة أخرى إليهم وهي سلطة الأهالي معهم الذين لم يتحركوا إلا بعد قتل جندي مصري بعربة رجل إنجليزي ولم ينل عقابه .

ـ مظاهرة عابدين .. ما تعلمناه في المدارس وحقيقة التاريخ

أحمد عرابي ووقفته أمام الخديوي توفيق

أحمد عرابي ووقفته أمام الخديوي توفيق

المشهور عن وقفة عابدين أن أحمد عرابي توجه للخديوي وقال ” خلقنا الله أحرارا ولم يخلقنا تراثا أو عقارا .. فوالله الذي لا إله إلا هو .. لن نورث ولن نستعبد بعد اليوم ”
وعرض أحمد عرابي مطالبه التي رفضها توفيق بقوله ما أنتم إلا عبيد إحساننا ، لولا مشورة المسئولين الأجانب في قصر عابدين بضرورة تلبية مطالبهم .
وبدوره نفى يوسف زيدان تلك الواقعة جازماً بأن أحمد عرابي لم يقابل الخديوي أصلاً .
لكن كلمة التاريخ في ذلك الأمر نهايتها
أن أحمد عرابي قابل الخديوي توفيق بالفعل وعرض عليه المطالب لكن لم يجري بينهما ذلك الحوار أصلاً .
الجملة في حد ذاتها ذكرها أحمد عرابي في مذكراته ثم نفاها أيضاً !

مذكرات أحمد عرابي باشا عن وقفة عابدين

مذكرات أحمد عرابي باشا عن وقفة عابدين

فمثلاً تجده في ص 299 من مذكراته المسماة “كشف الستار عن الأسرار فى النهضة المصرية المشهورة بالثورة العرابية” التي حققها عبدالمنعم إبراهيم الجميعي ، يحكي تفاصيل الحوار بعنفوانية شديدة .
بينما في في ص 54 من مذكراته التي كتبها بعد النفي ص 54 وحققها محمد فريد السيد حجاج
تجد أن أحمد عرابي قال “المرحوم الخديوي حيانا بإجابة تلك المطالب العادلة”

من مذكرات أحمد عرابي عن وقفة عابدين

من مذكرات أحمد عرابي عن وقفة عابدين

وتناقض أحمد عرابي إذاً يحيلنا إلى كلام من شاركوا الثورة بالفعل
فمذكرات الشيخ محمد عبده التي نُشِرت في سلسلة الاعمال الكاملة له بطبعة دار الشروق ، الجزء الأول صفحة 607 ، تنفي حقيقة الحوار المشهور دون نفي الوقفة الشهيرة

من مذكرات الشيخ محمد عبده بشأن حركة أحمد عرابي

من مذكرات الشيخ محمد عبده بشأن حركة أحمد عرابي

فمحمد عبده في مذكراته يقول
“وصل أحمد عرابي يقود ألايه ومعه ألاي الطوبجية تتخلل بطاريات مدافعه فرق العساكر وهو ممتطٍ جواده شاهراً سيفه ويحيط به 10 من ضباطه شاهري السيوف كحرس له”
وذكر محمد عبده في مذكراته نص الحوار بين الخديوي و أحمد عرابي
ـ ألم أك سيدك ومولاك ؟ ألست الذي رقيتك إلى رتبة أميرلاي ؟
ـ نعم
ـ لم حضرت بالجند إلى هنا ؟
ـ لطلبات عادلة .. عزل وزارة رياض باشا وعزل شيخ الأزهر محمد العباسي ، والتصديق على قانون العسكرية وزيادة عدد الجيش وتشكيل مجلس النواب .
ـ كل هذه المطالب ليس من حق الجند أن يطلبها
وبعدها تدخل القناصل وجرى بينهم وبين عرابي حواراً حول المطالب وانتهت في النهاية بالقبول
فيما هناك رواية أخرى لـ أحمد شفيق باشا في كتابه مذكراتي في نصف قرن ص 120 ج 1 .

مذكرات أحمد شفيق باشا عن وقفة عرابي

مذكرات أحمد شفيق باشا عن وقفة عرابي

تقول أن أحد حراس الخديوي صاح في عرابي قائلاً: “اغمد سيفك وانزل عن جوادك”، فامتثل عرابي قائلاً: “جئنا يا مولاي لنعرض على سموك طلبات الجيش والأمة، فقال الخديوي، وما هي؟ قال: إسقاط النظارة المستبدة وتشكيل مجلس نواب وتنفيذ القوانين العسكرية التي أمرتم بها”.
ورغم خلاف الحوارين لكن الثابت أن عرابي لم يقل الجملة الشهير التي يتم تدريسها في المدارس: “لقد خلقنا الله أحراراً ولم يخلقنا تراثاً أو عقاراً، فوالله الذي لا إله إلا هو لن نورث ولن نستعبد بعد اليوم”، بينما لم يقل الخديوي توفيق جملة “طلبات لا حق لكم فيها، وقد ورثت ملك هذه البلاد عن آبائي وأجدادي وما أنتم إلا عبيد إحساناتنا”، ولم تذكر هذه الجمل إلا في مذكرات أحمد عرابي نفسه.
كذلك فإن تحميل أحمد عرابي نفسه نتيجة الاحتلال البريطاني لمصر فيه ظلم تاريخي كبير له .
فإن المشاركون معه في الاحتلال كانوا الخديوي توفيق ومحافظ الإسكندرية فضلاً عن ديليسيبس وفرمان السلطان عبدالحميد الثاني .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*