الرئيسية » دفتر حكاوي زمان » ما الذي جمع أقدار “محمد صلاح” مع هذا الشيخ ؟
محمد صلاح - محمد عياد الطنطاوي
محمد صلاح - محمد عياد الطنطاوي

ما الذي جمع أقدار “محمد صلاح” مع هذا الشيخ ؟

كتب ـ وسيم عفيفي
تأهل المنتخب المصري إلى نهائيات كأس العالم في روسيا 2018 بعد فوزه على ضيفه منتخب الكونغو بهدفين مقابل هدف أحرزهما محمد صلاح وذلك في الجولة الخامسة من منافسات المجموعة الخامسة بالتصفيات الافريقية المؤهلة لكأس العالم.
يبرز دور التاريخ في تلك المسألة من زاوية أن هذا التأهل يجيء بعد غياب مصري عن بطولة كأس العالم ، ذلك الغياب الذي استمر 28 سنة .
لكن تاريخياً تختلف المسألة إن دُمِج اسم “محمد صلاح” بـ “روسيا” ؛ حيث تظهر جوانب قدرية أخرى جمعت محمد صلاح بأحد أهم رموز الفكر العربي في روسيا .

اللاعب محمد صلاح - الشيخ محمد عياد الطنطاوي

اللاعب محمد صلاح – الشيخ محمد عياد الطنطاوي

قرية واحدة هي قرية نجريج التي أخرجت محمد صلاح لاعب المنتخب المصري ، وأخرجت أيضاً الشيخ محمد عياد الطنطاوي، والذي على اسمه مدرسة تعلم فيها اللاعب محمد صلاح
اقترن تاريخ محمد صلاح الكروي مع تاريخ الكرة المصري بتأهل الفراعنة لمونديال روسيا
وهو نفس الشيء الذي جرى مع بلدياته الشيخ محمد عياد طنطاوي حيث اقترن تاريخ مصر مع روسيا به هو الآخر كون أنه أول من قام بتدريس اللغة العربية في روسيا وهو الذي عرف كل بلاد الشرق بتفاصيل روسيا الدولة والجغرافيا والتاريخ والمعالم .
وجاء شهر أكتوبر حاملاً أهم حدث تنتظره مصر وهو تأهلها للمونديال .
بينما جاء شهر أكتوبر ليحمل إلى مصر خبر وفاة الشيخ محمد عياد طنطاوي الذي أحزن مصر في ذلك الوقت ، لكنه ينال التكريم حينما يتم دفنه في روسيا بمقابر بولكوفو الواقع بالقرب من سانت بطرسبرغ، ويدخل قبره في عداد الآثار التاريخية والثقافية في روسيا والتي تعتبر مصانة من قبل الدولة .

كتاب حياة الشيخ محمد عياد الطنطاوى

كتاب حياة الشيخ محمد عياد الطنطاوى

وفق سيرته بكتاب حياة الشيخ محمد عياد الطنطاوي الذي كتبه أغناطيوس كرتشكوفسكي المنشور عام 1929، و ترجمته كلثوم عودة، فقد ولد الشيخ محمد عياد الطنطاوي في “نجريد” من قرى مديرية الغربية بمصر عام 1810م لأب ينتمي إلى “محلة مرحوم” بالغربية يعمل في تجارة الأقمشة والبن والصابون بين قرى ومراكز الغربية .
وعندما أتم “محمد” السادسة بدأ يتردد على الكتّاب في طنطا، وبعد أن أتم حفظ القرآن مرتين، حفظ متونًا كثيرة كمتن المنهج في علم الفقه، وألفية ابن مالك، ولما بلغ العاشرة بدأ في دراسة الشروح والتعاليق على المتون التي حفظها على يدي الشيخ “محمد الكومي” والشيخ “محمد أبو النجا”، ولما بلغ الثالثة عشرة رحل مع عمه إلى القاهرة، وما لبث أن تبعه أبوه.

الشيخ إبراهيم الباجوري

الشيخ إبراهيم الباجوري

وفي القاهرة انتظم في الدراسة بالجامع الأزهر، وهناك تعلم على يدي الشيخ إبراهيم الباجوري صاحب الشروح العديدة في العقائد والفقه والنحو والمنطق، والذي صار شيخًا للأزهر فيما بعد، كما تعلم على يدي الشيخ حسن العطار الذي كان عالمًا وشاعرًا، ثم صار شيخًا للأزهر، وهناك زامل الطهطاوي الذي كان يكبره بعشر سنوات، وبعد مضي خمس سنوات في القاهرة توفي أبوه فتضعضعت أحوال الأسرة المالية، وحينئذ اضطر طنطاوي أن يترك الدراسة المنتظمة مدة سنتين لكسب وسائل معيشته، فكان يقضي أكثر أوقاته في طنطا يزاول التدريس حينًا والدراسة حينًا آخر، وهناك تعلم على يد الشيخ مصطفى القناوي شيخ المسجد البدوي الذي أعطاه إجازة تدريس الحديث من الكتب الستة، إضافة إلى موطأ مالك عام 1828م.
وبعد ذلك بدأ تدريس تفسير القرآن والمنطق بالجامع الأزهر، ولكنه كان مولعًا بعلوم اللغة وآدابها، فبدأ يعطي دروسًا في الشرح والتعليق على كتب الشعر والأدب، فكان الأول تقريبًا في هذا الميدان،  وقع فريسة للوباء الذي تفشى بالقاهرة حتى شاع في المدينة أنه تُوفِّي، غير أنه عوفي وظل يعمل بالتدريس بالأزهر عشر سنوات تقريبًا، غير أن التدريس في الأزهر لم يكن يكفل الكسب الكافي لأهله؛ لذلك كان كغيره يبحث عن عمل ثان، وكان أمامه أن يعمل محررًا ومصححًا في المطابع، وما كان يجوز الجمع بين تلك المهنة والتدريس في الأزهر الذي كان يقدره الطنطاوي حق قدره، فرفض هذا العمل رغم دعوته إليه أكثر من مرة، وفضّل على ذلك العمل على تدريس اللغة العربية وآدابها للأجانب، فعمل في المدرسة الإنجليزية في القاهرة مدة، ثم اتسع نطاق حلقة تلاميذه اتساعًا غيّر مجرى حياته في المستقبل.

محمد علي في أواخر أيامه

محمد علي في أواخر أيامه

في مصر أواخر عصر محمد علي ، كان الطنطاوي معلما للمستشرقين وكان من بين تلاميذه أيضًا من المستشرقين الشباب روسيان، هما “موخين” و”فرين”، وكانا تِربين تخرجا في مدرسة واحدة، وخلف أحدهما الآخر في القاهرة، أما موخين فقد تخرج في قسم التاريخ والآداب الشرقية بجامعة بطرسبرج، وكان يعمل مترجمًا في القنصلية العامة الروسية في مصر، وهناك تلقى دروسًا على يد الطنطاوي في العربية، ودرس الشعر العربي، واقتنى مجموعة من المخطوطات، وأخرى من الآثار المصرية القديمة.
وقد خلف فرين زميله موخين في القاهرة، وهو ابن جوزيف فرين مؤسس المتحف الآسيوي في بطرسبرج، ورث عن أبيه حب الاستشراق، ومن ثَم قام هو الآخر بتزويد المتحف بمخطوطات ونقود قديمة جمعها خلال رحلة عمله، وقد تتلمذ فرين هو الآخر على يد الطنطاوي.
كان لهذين التلميذين أثرهما في قرار الطنطاوي بالرحيل إلى روسيا، يقول الطنطاوي عن ذلك: “إن طلبهما كان أول دافع لسفري إلى روسيا”، وكان معلم اللغة العربية بالقسم التعليمي التابع لوزارة الخارجية الروسية قد ترك عمله، فكلف وزير الخارجية الروسي قنصله العام في الإسكندرية بالبحث عن معلم مناسب من علماء العرب، وقد وقع اختيار القنصل عليه، وقد حث محمد علي باشا والي مصر الطنطاوي على تعلم اللغة الروسية وإتقانها.

خريطة الإسكندرية عام 1855 م

خريطة الإسكندرية عام 1855 م

وقد غادر الطنطاوي القاهرة عام 1840، وكان السفر عن طريق النيل إلى الإسكندرية، ومن هناك ركب الباخرة، وقد وصل إلى أوديسا على ساحل البحر الأسود يرافقه تلميذه السابق موخين، ومن هناك غادر إلى كييف، ثم واصل رحلته بعد ذلك ليصل إلى بطرسبرج في 29 يونيو من ذلك العام.
كان رحيله إلى روسيا حدثًا كبيرًا ليس في حياته فحسب، بل وفي الاستشراق الروسي أيضًا، حتى إن الصحافة الروسية أعارته انتباهًا كبيرًا، وقد سبقه خبر وصوله إلى بطرسبرج.
ابتدأ الطنطاوي عمله بإلقاء محاضراته في كلية اللغات الشرقية في أوائل أغسطس من ذلك العام، وظل يعمل في التدريس خمسة عشر عامًا لم يغادر فيها روسيا منذ قدومه إليها إلا مرة واحدة عام 1844، زار خلالها القاهرة وطنطا واهتم بجمع المخطوطات الشرقية، وقد امتدت مدة إقامته سليمًا معافى في روسيا عشر سنوات فقط، تخللتها حرب القرم التي قطعت صلته بمصر، وبعدها دخل في رحلة مرض، ظل يعاني منه وهو في عمله خمس سنوات، أقعده بعدها عن الحركة.
وقد خلف الشيخ الطنطاوي في قسم اللغات الشرقية سلفه “ديمانج” الذي ولد عام 1789، وهو تلميذ “سلفستر دي ساسي” المستشرق الشهير، وكان أول أستاذ للغة العربية في دار المعلمين من عام 1816، ثم في الجامعة من عام 1819، أما الشيخ الطنطاوي فقد ظل يعمل بالتدريس بالقسم التعليمي خلفاً له، ثم عمل أستاذًا بالجامعة عام 1847 بعد تقاعد سيمكوفسكي.
جمع الطنطاوي في تدريسه بين الطرق العملية والنظرية، فمن جهة كان يدرّس قواعد اللغة، ويشرح أمثال لقمان، ويقرأ قطعًا من مؤلفات تاريخية، ومن مقامات الحريري، كما كان يدرّس الترجمة من الروسية إلى العربية، والخطوط الشرقية، وقراءة المخطوطات، والمحادثة باللغة العربية، وزاد على ذلك عام 1855 تدريس تاريخ العرب.
وقد نال الشيخ الطنطاوي عددًا من الألقاب والأوسمة، منها: الشكر القيصري عام 1850 لجهوده في التدريس لطلاب جامعة بطرسبرج، وميدالية من ملك ڤورتمبرگ على قصيدة له باللغة العربية، وخاتم مرصّع بالجواهر من ولي العهد القيصري شكرًا على جهوده في تزيين الغرفة التركية في قصر تسارسكي سيلو.
دام عمله في بطرسبرج خمسة عشر عامًا أي حتى عام 1855، وأرهقت فيها صحته بعد افتتاح كلية اللغات الشرقية، وظلت الجامعة ترفض تعيين أحد بديلاً له رغم مرضه، إلى أن استعفي من الخدمة في 31 يناير عام 1861، ثم ما لبث أن تُوفّي في 29 أكتوبر من نفس العام.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*