الرئيسية » دفتر حكاوي زمان » “بموت أبيه و على دماء أخويه” هكذا وصل “سليم الأول” لحكم “الدولة العثمانية”
السلطان سليم الأول
السلطان سليم الأول

“بموت أبيه و على دماء أخويه” هكذا وصل “سليم الأول” لحكم “الدولة العثمانية”

كتب ـ وسيم عفيفي
يرى كثير من المؤرخين المعاصرين لحقبة السلطان العثماني سليم الأول أنه كان عصبي المزاج سريع الغضب ذا شخصية ملحمية ، ميال لسفك الدماء مسرف في قتل خصومه .
و على الرغم من فظاظته، فقد كان سليم الأول فاضلاً ذكيًا، بعيد الغور، وصاحب رأي وتدبير وحزم، وإنه على الرغم من قصر مدة ولايته، فإنه حضّر الدولة العثمانية لتصل أعلى درجات الكمال والازدهار في عهد ابنه سليمان.

السلطان سليم الأول

السلطان سليم الأول

سليم الأول هو تاسع سلاطين الدولة العثمانية وخليفة المسلمين الرابع والسبعون، وأوّل من حمل لقب “أمير المؤمنين” من آل عثمان ، وقد حكم الدولة العثمانية من سنة 1512 حتى سنة 1520 م وكان هو السبب الأقوى في إتساعها وقوتها .
لكن تبقى إحدى النقاط السوداء في تاريخ سليم الأول وهي نقطة خلافه مع عائلته على الحكم

بايزيد الثاني

بايزيد الثاني

ولد سليم الأول للسلطان “بايزيد الثاني بن محمد الفاتح” و”عائشة گلبهار خاتون”، الأميرة من سلالة ذي القدر التركمانية، في 10 أكتوبر سنة 1470م بمدينة أماسيا على ساحل البحر الأسود في الأناضول.
وهو أحد الأولاد الذكور الثمانية للسلطان بايزيد، الذين توفي منهم خمسة في صغرهم وبقي اثنان إلى جانب سليم هما “كركود” و”أحمد” ؛ وكان كركود محباً للأدب والفن والعلم ، بينما كان أحمد محبوباً لدى أعيان الدولة العثمانية ، أما سليم فكان معشوق الجيش و الإنكشارية
ولما أدرك السلطان بايزيد ذلك الاختلاف الذي خشي أن يتسبب في خلاف بينهم ، فرق بين أبناءه فعين كركود على إحدى الولايات النائية ، بينما كانت ولاية أماسيا من نصيب أحمد ، أما سليم فتم تعيينه والياً على طرابزون .

طرابزون

طرابزون

واستفاد سليم من ولاية طرابزون حيث فهم اللعبة السياسية ، وحسن علاقاته مع الدول المجاورة له ، وشن عدة حملات على قارص وأرضروم وتم ضمهم للدولة العثمانية .
مع نهايات عصر السلطان بايزيد جرت حروب داخلية بين أولاده ، بسبب تعيينه لحفيده سليمان بن سليم والياً على كافا فلم يرض سليم بهذا التعيين، بل ترك مقر ولايته وسافر إلى كافا بالقرم، وأرسل إلى أبيه يطلب منه تعيينه في إحدى ولايات أوروبا، فلم يقبل السلطان بل أصرّ على بقائه بطرابزون.
وفي ذات الوقت خشي “أحمد” أكبر أولاد السلطان من أن سليمًا يسعى إلى العرش، فاغتنم مسألة انتصاره حديثًا على جيش مكوّن من تحالف تركماني-صفوي في آسيا الصغرى، وسار إلى القسطنطينية على رأس جنوده ليستعرض مقدرته العسكرية أمام والده وأشقاءه على حد سواء.

وما أن علم سليم بفعل أخيه حتى أثار فتنة في تراقيا وعصى والده جهارًا، وسار بجيش جمعه من قبائل التتار إلى بلاد الروملّي، فأرسل والده جيشًا لإرهابه، لكنه لمّا وجد من ابنه التصميم على المحاربة وعدم ارتداعه، قبل تعيينه بأوروبا حقنًا للدماء، وعينه واليًا على مدينتيّ “سمندريه” و”ڤيدن” في الصرب، ورفض السماح لابنه الآخر “أحمد” بالدخول إلى العاصمة خوفًا من أن يُقدم الأخير على خلعه أو قتله ليتولى مقاليد السلطنة.
ولمّا وصل إلى “كركود” خبر نجاح أخيه سليم في مسعاه، انتقل إلى ولاية صاروخان واستلم إدارتها بدون أمر أبيه ليكون قريبًا من القسطنطينية عند الحاجة.

بايزيد الثاني

بايزيد الثاني

وفي ذلك الوقت كان السلطان بايزيد قد دعا ديوانه للانعقاد والتشاور في مسألة تنصيب أحد الأمراء خلفًا له، فاستقر الرأي على تنصيب الأمير “أحمد” سلطانًا، فغضب سليم ما أن وصله الخبر، وأعلن الثورة على والده، فسار إلى مدينة أدرنة واستولى عليها وأعلن نفسه سلطانًا، فأرسل والده إليه جيشًا قوامه 40,000 رجل فهزمه في الثالث من أغسطس سنة 1511 وألجأه إلى الفرار ببلاد القرم.
وأرسل جيشًا آخر لمحاربة “كركود” بآسيا الصغرى، فهزمه أيضًا وفرّق جيشه، ثم كتب إلى “أحمد” يطلب منه المجيء إلى القسطنطينية فورًا وتولّي مقاليد الحكم، فدخل المدينة في اليوم التالي وأًعلن سلطانًا .
ثار الإنكشارية في المدينة بعد أن تمّ تنصيب الأمير أحمد على العرش العثماني، ورفضوا الاعتراف به حاكمًا عليهم وطالبوا السلطان بايزيد بالعفو عن ابنه سليم وإعادته إلى ولاية سمندرية لشدة تعلقهم به، واعتقادهم بأنه هو الوحيد المؤهل لدرء الخطر الصفوي عن الدولة العثمانية، لا سيما وأن شاه الصفويين، “إسماعيل الأول بن حيدر”، كان يناصر الأمير أحمد في نضاله للوصول إلى سدّة الحكم ، فخاف الإنكشارية من أن يبدأ الصفويين بالتدخل في الشؤون التركية وينشروا المذهب الشيعي في البلاد كما فعلوا في إيران وأذربيجان، وكان سليم يشاطرهم هذا الخوف ويحمل كرهًا شديدًا للشاه بفعل دعمه لأخيه.

تنصيب سليم الأوّل سلطانًا.

تنصيب سليم الأوّل سلطانًا.

وبناءً على إلحاح الإنكشارية، عفا السلطان عن ابنه سليم وسمح له بالعودة إلى ولايته، وفي أثناء توجهه إليها قابله الإنكشارية وأتوا به إلى القسطنطينية باحتفال زائد وساروا به إلى سراي السلطان وطلبوا منه التنازل عن المُلك لولده المذكور، فقبل وتنحّى عن العرش في يوم 25 أبريل سنة 1512م، الموافق في 8 صفر سنة 918هـ، وتولّى سليم مقاليد الحكم رسميًا في الثالث والعشرين من مايو من نفس السنة.
وبعد أن تنازل بايزيد عن الحكم، سافر للإقامة ببلدة “ديموتيقا”، فتوفي في الطريق يوم 26 مايو سنة 1512م، الموافق في 10 ربيع الأول سنة 918هـ
أقدم سليم بعد أن تُوّج سلطانًا على توزيع المكافآت على الإنكشارية كما جرت العادة قبل عهده، وزاد من ضرورتها في أيامه أنه لم يكن ليتربع على العرش لولا مساعي هؤلاء وضغطهم على والده.
وما أن تولّى سليم مقاليد الحكم حتى أعلن أخاه أحمد العصيان ورفضه الخضوع له، ونصب نفسه حاكمًا على أنقرة، وأرسل ابنه “علاء الدين” فاحتل مدينة بورصة في 19 يونيو سنة 1512، وراسل الوزير “مصطفى باشا” يخبره عن عزمه توطيد نفوذه وخلع أخيه ووعده بمنصب كبير إن نقل إليه جميع تحركات سليم ونواياه.

جيش السلطان سليم يُقاتل جنود أخاه أحمد.

جيش السلطان سليم يُقاتل جنود أخاه أحمد.

وكان السلطان سليم قد عقد العزم على القضاء على إخوته وأولاد إخوته حتى يهدأ باله بداخليته ولا يبقى له منازعٌ في المُلك، فعيّن ابنه سليمان حاكمًا للقسطنطينية، وسافر بجيوشه إلى آسيا الصغرى، فاقتفى أثر أخيه أحمد إلى أنقرة، ولم يتمكن من القبض عليه لوصول خبر قدومه إليه عن طريق الوزير “مصطفى باشا”.
لكن علم السلطان بهذه الخيانة فقتل الوزير شر قتلة جزاءً له وعبرة لغيره، ثم ذهب إلى بورصة حيث قبض على خمسة من أولاد إخوته بما فيهم “علاء الدين” سالف الذكر، وأمر بقتلهم جميعًا.
وبعدها توجّه بسرعة إلى صاروخان مقر أخيه “كركود” ففر منه إلى الجبال، وبعد البحث عنه عدّة أسابيع قُبض عليه وقُتل.
أما أحمد فجمع جيشًا من أتباعه وقاتل الجنود العثمانية، فانهزم وقُتل بالقرب من مدينة يكي شهر في يوم 24 أبريل سنة 1513م، الموافق في 17 صفر سنة 919هـ.
وبهذا استفرد سليم بالحكم واطمأن خاطره من جهة داخليته

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*