الرئيسية » دفتر حكاوي زمان » “حرق مكتبة الإسكندرية” التهمة التي لازمت “عمرو بن العاص” رغم تبرئة التاريخ له
حريق مكتبة الاسكندرية
حريق مكتبة الاسكندرية

“حرق مكتبة الإسكندرية” التهمة التي لازمت “عمرو بن العاص” رغم تبرئة التاريخ له

كتب ـ وسيم عفيفي
في الأول من شهر محرم لعام 21 هجرية كانت مكتبة الإسكندرية على موعد جديد من التاريخ بخروج الحكم البيزنطي من الإسكندرية بحراً ودخلها المُسلمون وأعطوا الأمان لأهلها، لتنتهي بذلك العمليات العسكرية، وتخرج مصر نهائيا من تحت الراية البيزنطية وتدخل تحت ظل الراية الإسلامية، ويبدأ فصل جديد من التاريخ في الديار المصرية .
وبعيداً عن ما قيل بالتفصيل حول فتح مصر ، لكن تبقى مرحلة دخول الإسكندرية في الإسلام هي إحدى أهم مراحل عملية الفتح الإسلامي لمصر ، ولا يدل ذلك إلا بمعرفة أن هناك شائعة لطالما طالت عمرو بن العاص وهي شائعة حرق مكتبة الإسكندرية .

ـ مكتبة الإسكندرية .. نشأة تاريخية يكتنفها الغموض

مكتبة الإسكندرية القديمة

مكتبة الإسكندرية القديمة

لا يوجد أي شك حول أن مكتبة الإسكندرية من أعرق وأشهر المكتبات القديمة لفترة ما قبل الميلادي ؛ لما تميزت به من فن معماري فريد ومستوى في الرقي من حيث المبنى والمعنى واحتواء المكتبة على كنوز ثمينة من المخطوطات والمجلدات والكتب العلمية في كافة العلوم الإنسانية .
غموض تميزت به مكتبة الإسكندرية في نشأتها فآراء ترى أنها موجودة منذ قبل ميلاد السيد المسيح عليه السلام حيث شيدها الإسكندر الأكبر بعد دخوله لمصر .
بينما مؤرخون آخرون يرون أن البطالمة خلفاء الإسكندر هم الذين تولوا بناء المكتبة خاصة في عصر بطليموس الأول بأمرٍ من الإسكندر الأكبر ، حتى قام بطليموس الثاني بتنفيذ المشروع وإنهاءه نهائياً بعد أن أنفق أموالاً طائلة على المكتبة .

ـ حرق مكتبة الإسكندرية .. حادث تم قبل دخول الإسلام لمصر

حريق مكتبة الاسكندرية

حريق مكتبة الاسكندرية

لم تختلف نهاية مكتبة الإسكندرية كثيراً عن نشأتها من حيث اختلاف المؤرخين ، وجاء ذلك الاختلاف نظراً لتعرض المكتبة لأكثر من حريق قبل دخول الإسلام إلى مصر .
لكن الحريق الأخير و الأشهر الذي دمر المكتبة كان في العام 48 قبل الميلاد حينما قام يوليوس قيصر بإحراق 100 سفينة راسية على شاطئ المتوسط بعد حصار بطليموس الصغير له ، فالتهمت نيرات الحرائق المكتبة ودمرت غالبية ما احتوت عليه من كتب .
أما ما بقي من المكتبة فقد تم حرقه بعد انتهاء حكم البطالمة وتدمير آثارهم على يد الرومان ومن ضمن تلك الآثار ما بقي من المكتبة الإسكندرية كما يشير إلى ذلك إدوارد جيبون في كتابه اضمحلال وسقوط الإمبراطورية الرومانية .

ـ عمرو بن العاص .. جانياً أم مجني عليه ؟

مسجد عمرو بن العاص

مسجد عمرو بن العاص

أول من ذكر تهمة قيام عمرو بن العاص بحرق المكتبة هو المؤرخ عبداللطيف البغدادي الذي ولد في العام 557 هجري ومات في العام 629 هجري وذلك في كتابه “الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر” .
ومن كلام البغدادي استدل باقي المؤرخون على روايته كجمال الدين القفطي في كتاب إخبار العلماء بأخبار الحكماء ، وكذلك أبو الفرج بن هارون الملطي المعروف في التاريخ باسم بن العبري السرياني في كتاب مختصر الدول .
ومختصر تلك التهمة كما جاءت أن عمرو بن العاص بعد فتحِه لمصر استأذن الخليفة عمر بن الخطاب في أمر المكتبة بعد أن دخل عليه يحيى النحوي الإسكندراني وطلب منه كتُبَ الحكمة من الخزائن الملكية، فكتب إلى أمير المؤمنين عمر الذي أجابه بكتاب يقول فيه: “أما الكتب التي ذكرتها، فإن كان فيها ما يوافق كتاب الله فلا حاجةَ إليها”، وتزعم القصَّة أن عمرو بن العاص قد وزَّع الكتب على حمامات الإسكندريَّة، وأحرقها في مواقدِها، واستنفَد استهلاكها مدة ستة أشهر.

صور جامع عمرو بن العاص بعد التوسعات والترميمات

صور جامع عمرو بن العاص بعد التوسعات والترميمات

وفي مقابل هذه الرواية التي تحدثَت عن آخر عملية حرقٍ لمكتبة الإسكندرية على يدِ المسلمين، فإن العديد من المفكِّرين والباحثين العرب والغرب قد ردوا على رواية الحرق تلك، ومِن بينهم السوسيولوجي والمؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون، وجاك س. ريسلر، وألفريد بتلر، وعزيز سوريال عطية، وعباس العباس، وعبدالرحمن بدوي وغيرهم.

فالكاتب غوستاف لوبون الذي أورد في كتابه الشهير “حضارة العرب” ، قال : أما إحراقُ مكتبَة الإسكندرية المزعوم فمِن الأعمال الهمجيَّة التي تأباها عادات العرب، والتي تجعَل المرء يسأل: كيفَ جازت هذه القصة على بعض العلماء الأعلام زمنًا طويلاً؟! وهذه القصة دُحضت في زماننا، فلا نرى أن نعود إلى البحث فيها، ولا شيء أسهلَ مِن أن نُثبت بما لدينا من الأدلة الواضحة أن النصارى هم الذين أحرَقوا كتبَ المُشركين في الإسكندرية قبل الفتح العربي بعنايةٍ كالتي هدموا بها التماثيل، ولم يبقَ منها ما يُحرق”.

غلاف كتاب تاريخ المسيحية الشرقية

غلاف كتاب تاريخ المسيحية الشرقية

وفي كتاب “تاريخ المسيحية الشرقية” لعزيز سوريال عطية – ترجمة إسحاق عبيد – ذكَر أنَّ “رواية حرق العرب لمكتبة الإسكندرية من نسيج الخيال، وهي أقربُ إلى الأساطير في كلِّ تفاصيلها؛ حيث لا توجد مصادِر مُعاصِرة أو حوليَّة تُشير إلى الحادث من قريب أو بعيد، فعندما وصل العرب الإسكندرية سنة 642 م لم يَجدوا شيئًا من مكتبة البطالمة؛ فقد تمَّ إحراق المكتبة منذ زمن بعيد على يد يوليوس قيصَر عند هجومه على الإسكندرية؛ لمساعدة كليوباترا ضدَّ أخيها سنة 48 ق.م، وعندما صارت الغلبة للمسيحيين في القرن الرابع ميلادي هجموا على آثار الوثنيِّين بالمدينة ودمَّروهم، ومنها مكتبة البطالمة الوثنية، وما بقي من لفائف البردي تهالكت وبليَت بفعل الزمن”.

كتاب فتوح مصر و المغرب

كتاب فتوح مصر و المغرب


وبعيدا عن النصوص التراثية حتى وإن صحت ، فالعقل أيضاً يدحض تلك التهمة فالمؤرخين الذين عاصروا الفتح أو جاءوا بعد الحادث لم يذكروا ذلك مثل: حنا البقيومي، اليعقوبي، البلاذري، ابن عبدالحكم، الكِندي، ومَن أخذ عنهم؛ مثل: ابن الأثير، السيوطي، ابن تغري، مع العلم أن كتبهم تعدُّ مِن أوثق وأدق ِّالمصادر التي اهتمت بتاريخ مصر؟!

أما الشخصية التي تدور حولها القصة – يعني يَحيى النحوي الإسكندراني – الذي طلَب الكتب من عمرو بن العاص، أثبتت الروايات والكتب أنه تُوفِّي قبل الفتح العربي بنحو 30 أو 40 سنة وهو في سنٍّ متقدِّمة.
وإن أخذ المؤرخون برواية البغدادي وبن القفطي فإن كمالة الرواية تقول أن عمروَ بنَ العاص قام بتوزيع الكتب على الحمامات بالإسكندرية .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*