الرئيسية » شخصيات تاريخية » “محمد النفس الزكية” والعباسيون .. الوفاق و الشقاق

“محمد النفس الزكية” والعباسيون .. الوفاق و الشقاق

كتب – وسيم عفيفي
وفق تقارير ذاكرة التاريخ عن محمد النفس الزكية بشبكة الرضا ، فقد أدت ممارسات الأمويين إلى عمل الثائرين عليهم سراً ، فتشكلت جبهة معارضة، استطاعت أن تستقطب كلّ الفئات المناوئة للسياسة الأموية: ( العلويون، العباسيون، الزبيريون، الفرس)
في هذا الإطار استطاع زعماء العباسيين أن يقودوا الجبهة بمكرٍ ودهاء، دون إثارة حساسية أي فريق،
ألهبوا مشاعر الفُرس، من خلال التركيز على السياسة العنصرية التي اتّبعها الأمويون ضد الموالي…
وحركوا إيمان المتدينين من خلال فضح سيرة الخلفاء الذين شوهوا صورة الخلافة بانحلالهم الديني والخُلُقي والسلوكي.
وأثاروا عواطف العلويين من خلال مجازر الأمويين في كربلاء والمدينة ومكة بحق آل بيت الرسول صلّى الله عليه وسلم.
وفي الوقت ذاته، حرصوا على إخفاء نواياهم، فلم يجاهروا باسم القيادة، بل تركوا الدعوة إلى « الرضا من آل محمد » كشخص مجهول يمكن أن يتبّناه أي فريق، ولكنهم استطاعوا كسب ولاء الشخصيات العسكرية أمثال أبي مسلم الخراساني وأبي سلمة الخلال.
من أبرز القيادات التي كانت تحكم الواقع هي:
ـ الإمام جعفر الصادق الذي كان يؤيد أي تحرك يسقط الحكم الأموي الظالم، ولكنه لم يشارك فعلياً في المعركة، لأنه كان يعلم سيطرة العباسيين على كل مواقع التحرك، والنتائج السلبية التي ستؤول إليها المشاركة.
ـ محمد بن عبدالله بن الحسن، وقد وعده أبو جعفر المنصور بها، لذلك قدّم كل إمكاناته لدعم المعركة.
ـ أبو العباس السفاح وأخوه أبو جعفر المنصور اللذان استطاعا أن يكسبا المعركة، ويصلا إلى القيادة.
في سنة 132هـ حصلت المعركة الفاصلة، وهُزم الأمويون، وحان قطاف الثمر، فالتفّ العباسيون على الجميع بسرعة، وأعلنوا ـ في الكوفة ـ أبا العباس السفاح خليفة، ووضعوا مختلف القيادات أمام الأمر الواقع.
محمد بن عبدالله ( الملقب بالنفس الزكية ) استاء من هذا التجاوز، ولم يعترف بشرعية خلافة السفاح ولكن أجواء النصر الذي كان هدف جميع الناس، حال دون فعالية معارضته، ففضّل التريّث قليلاً حتى ينجلي الموقف بهذا الجو، وتنكشف النوايا..
في هذا الوقت انصرف العباسيون إلى تصفية جيوب المقاومة الأموية، ثم إلى وأد ثورة عمهم « علي بن العباس »، ثم إلى التخلص من القيادات التي أخذت تشكك بهم أمثال: أبي سلمة الخلال وأبي مسلم الخراساني
هنا رأى الحسن بن عبدالله الفرصة ملائمة لإعلان الثورة في الحجاز، فأخذ يندد بسياسة العباسيين الذين اغتصبوا السلطة، وغدروا بأصدقائهم، وتجاوزوا كل وعودهم
فاكتسب بذلك تأييداً شعبياً كبيراً، وقد ساعده في هذا مكانته التي كانت تستقطب الاحترام والثقة.
خاف أبو جعفر المنصور من تفاقم ثورته، فاستنفر كل أجهزته للقبض عليه، فلم يصل إلى نتيجة، لأن محمداً توارى عن الانظار خوفاً من أن تُجهض حركته في مهدها.
اجتهد المنصور في طلبه، معتمداً وسائل الترغيب والترهيب والحيلة.
سنة 140هـ قدم المنصور إلى المدينة، وجمع بني هاشم، وأظهر لهم مودّة ومحبة، وقدّم لهم الهدايا، ثم اختلى بكل واحد منهم، يسأله عن النفس الزكية، فكانوا يعتذرون إليه ويستعطفونه
وحينما يئس من بني هاشم، توجه إلى « عبدالله بن الحسن » ( والد النفس الزكية ) بمظهر الحمل الوديع، يتودد له، ويظهر له بأنه لا يضمر إلا الخير لأولاده فلم يفلح .
وعندما أفلس من الوسائل السلمية الخادعة، لجأ إلى وسيلة الترهيب، فاستدعى « عبدالله بن الحسن »، وأمر المنصور بالقبض عليه وسجنه مع أسرته ثم شدّد على المدينة « زياد بن عبيدالله الحارثي » بملاحقة « محمد النفس الزكية » بأيّ وسيلة.
ويبدو أن هذا الوالي لم يشأ مجاراة المنصور في سفك دماء بني هاشم، فتجربة كربلاء لا تزال ماثلة في ذاكرته، فقد ورد أن النفس الزكية حضر مرة إلى المدينة، واجتمع به زياد، ونصحه بالهجرة إلى بلاد أخرى.
ويذكر أن المنصور علم بموقفه، فأمر بالقبض عليه ومصادرة أمواله، وعزل رجاله وأنصاره، وأثناء اقتياده إلى السجن
وأخيراً لجأ إلى الحيلة، فكتب رسالة على لسان أنصاره، موجهة إلى النفس الزكية، يطلبون منه الإسراع في إعلان الثورة، وقد حمل الرسالة رجل إلى عبدالله بن الحسن في سجنه، فأطلعه هذا على مكانه.. وكادت الخطة أن تنجح لولا أنّ كاتباً شيعياً للمنصور أعلم عبدالله بالأمر، فتدارك الموقف وأفشل الحيلة
واحتار المنصور في أمره، وفكر طويلاً في الخروج من هذا المأزق الذي يُنذر بمستقبل قاتم.. ووجد أن سياسة الإرهاب هي آخر سَهْم يمكنه أن يرميه لاكتشاف مكان اختفاء النفس الزكية، فتذرّع بوسيلة أمويّة، إذ اختار والياً للمدينة معروفاً بقسوته، لا يتمتع بدين، ولا يلتزم بتقوى، إنه رباح بن عثمان بن حيّان ابن عم مسلم بن عقبة، صاحب موقعة الحَرة التي استباح فيها المدينة أيام يزيد بن معاوية.
دخل رباح المدينة، وقصد قصر الإمارة ( دار مروان )، ثم زار السجن والتقى بعبدالله بن الحسن، وخاطبه بقسوة
ولما لم يصل معه إلى نتيجة توجّه إلى المسجد، وارتقى المنبر كما فعل أسلافه ( زياد ابن أبيه والحجاج ) وحاول أن يثير الرعب في قلوب الناس، ويعيد إلى ذاكرتهم موقعة الحرة.
ثم اجتهد في طلب النفس الزكية، فبثّ العيون في كل مكان، حتّى استطاع أن يعثر على مكانه، ولما أرسل جنوده، أسرع محمد إلى الفرار، ونجا بنفسه ومن معه.
فشلُ هذه المحاولة أثار غضب عثمان فصعد المنبر مهدّداً ومستخدماً لغة السباب والشتائم
وكتب رباح إلى المنصور يشرح حال أهل المدينة فأرسل لهم رسالة ولم تُفلح في تهدئة النفوس الثائرة، ففضّل أن يحضر بنفسه إلى المدينة ليعالج الوضع المتأزم.
وفي سنة 144هـ وفي موسم الحج، لم يجرؤ على دخول المدينة، فخيم خارجها ( الربذة )، وحمل إليه « رباح بن حيان » سجناء آل الحسن وهم مكبلون بالأغلال، واستفسر منهم عن مكان النفس الزكية، فلم يفيدوه بجواب حاسم، فأمر بسَوقهم إلى الكوفة على إبل بدون وطاء، وهناك حشدهم في سجن مظلم، كانوا لا يعرفون فيه الليل من النهار، وهناك لقي كثير منهم الموت نتيجة التعذيب والتنكيل
ومن جملة من قُتل في السجن « محمد بن عبدالله بن عمرو بن عثمان » حيث احتزّوا رأسه وبعثوا به مع جماعة إلى خراسان، فطافوا بالرأس في مدنها، وهم يزعمون أنه رأس محمد النفس الزكية
هذه المظاهر الإعلامية هيجت مشاعر الشيعة في خراسان وغيرها، وذكّرتهم بأفعال الأمويين في كربلاء، فانطلقوا يندّدون بسياسة القتل والتنكيل بآل بيت الرسول صلّى الله عليه وسلموكادوا يعلنون العصيان على الحكم، وهنا شعر المنصور بخطورة ما أقدم عليه فبادر إلى تبرير موقفه، والتنصّل من جرائمه
أمام الواقع المأساوي الذي أصاب آل الحسن عليهم السّلام، وأمام الإلحاح الشديد من الأنصار بإعلان الثورة، خرج محمد النفس الزكية من مخبئه في أول رجب سنة 145هـ، وفاجأ الناس والوالي العباسي بالظهور، وتقدم بموكب من مائتين وخمسين مقاتلاً إلى سجن المدينة، وفتحوا أبوابه أمام السجناء المظلومين، ثم طافوا الشوارع وهم يهتفون بشعارات الثورة والتنديد بإرهاب العباسيين، وقد حرص محمد على أن تكون ثورته بيضاء فمنع أصحابه من سفك الدماء والتعذيب والتنكيل
وانتهت المسيرة إلى دار مروان حيث كان يعتصم والي المدينة رباح بن عثمان، فاقتحموه، واستولوا على بيت المال، وقبضوا على رباح وأودعوه السجن، ثم اعتلى النفس الزكية المنبر وخطب الناس
وفي المدينة شرع محمد النفس الزكية بالعمل على كسب تأييد وبيعة الناس في مختلف أقطار العالم الإسلامي فاستصدر من « مالك بن أنس » فتوى تجيز للناس التحرّر من بيعة المنصور إلى مبايعة النفس الزكية
وأرسل إخوته وأبناءه إلى الأمصار الإسلامية لأخذ البيعة: ابنه الحسن إلى اليمن، علي إلى مصر، وعبدالله إلى خراسان، وأخوه موسى إلى الجزيرة، ويحيى إلى الري وطبرستان، وإدريس إلى المغرب، وإبراهيم إلى البصرة ووزّع بعض الولاة والعمال على البلاد
من خلال هذا التحرك السريع، استطاع محمد أن يسيطر على الموقف في الحجاز وبعض الأقطار، وأن يستقطب ولاء معظم القبائل سوى: بني زهرة وعمرو وغفار
وبينما كان المنصور مستغرقاً في بناء عاصمته الجديدة بغداد، أتته رُسل من المدينة تخبره عن مسلسل الاحداث هناك، فانتفض غاضباً، وأوقف العمل، وعاد إلى الكوفة ليتدبر الأمر، ويحسم الموقف.
وبعد سلسلة مشاورات مع قادته، رأى أن يبدأ الخطوة الأولى برسالة إلى محمد النفس الزكية، يعرض فيها رغبته للسلام، ويؤكد له ضماناته للأمان، ولعل المنصور كان يهدف إلى أمرين
أن يبذل آخر محاولة سلمية، تثني النفس الزكية عن القتال، وعند الرفض تبرّر ما سيقدم عليه من أعمال.
أن يأخذ الوقت الكافي لدراسة ردّات الفعل من جهة، والإعداد لحملة عسكرية قادرة من جهة أخرى.
ويبدو أن محمداً النفس الزكية استشعر من نفسه القوة، ومن رسالة المنصور الضعف، فردّ عليه بكتاب يثبت فيه حقه بالخلافة، ويشكك بأمانه ومواثيقه
وأثناء تبادل الرسائل كان المنصور يُعدّ العدّة لمواجهة عسكرية حاسمة، فاختار وليّ عهده « عيسى بن موسى » قائداً لحملته إلى المدينة، ويعود سبب اختياره إلى أن المنصور كان كارهاً لتوليته ولاية العهد، وكان يأمل ان تكون لولَدِه محمد المهدي
سار « عيسى بن موسى » بأربعة آلاف، ثم لحق به حميد بن قحطبة الطائي بخمسة آلاف، وجميعهم مزوّدون بكامل العدّة العسكرية والمؤن الغذائية، وكانت وصيّة المنصور لهما: أن لا يُحدثا في مكة والمدينة ما أحدثه مسلم بن عقبة والحجاج الثقفي فيهما.. كل ذلك من أجل أن يمتصّ نقمة الناس، ويعيدهم إلى ولائه.
حاصر الجنود العباسيون المدينة من ثلاث جهات، تاركين جهة حرّة لمن يرغب في الانسحاب أو الاستسلام، في هذه الأثناء، وقبل بدء المعركة، حصلت الأمور التالية:
بعث عيسى برسالة أمان إلى النفس الزكية ووجوه أهل المدينة، فرُفِضت
وحينما شدّد العباسيون الحصار، استشار النفس الزكية أصحابه، فمنهم من طلب منه الرحيل إلى مصر، ومنهم من فضّل له الصمود.
أراد النفس الزكية أن يقتدي برسول صلّى الله عليه وسلم، فأمر بحفر خندق حول المدينة ودقت ساعة الصفر، وبدأ الهجوم العباسي، وتسلّلت الجيوش إلى شوارع المدينة، وحصلت معارك التحام بالسلاح، أثارت مخاوف الأهالي فانسحب قسم إلى الجبال القريبة، واستسلم قسم آخر، وأحسّ محمد بحراجة الموقف، وأشار بعضهم عليه بالانسحاب إلى مكة، فرفض أن يترك أهل المدينة يواجهون المعركة لوحدهم، فحمل سيفه ونزل ساحة القتال يدافع بشجاعة نادرة، حتّى لقي حتفه على يد « قحطبة بن حميد » الذي فصل رأسه بسيفه، وقدّمه إلى « عيسى بن موسى » الذي أرسله بدوره إلى المنصور، والذي أمر بأن يُطاف به في شوارع الكوفة.
ولم يكتف الجيش العباسي بقتل النفس الزكية، بل أحدث مجزرة رهيبة في صفوف إبناء الحسن عليه السّلام والمخلصين من أتباعهم، فقتلوهم، وصلبوهم، وعلقوا جثتهم لثلاثة أيام، حتّى ضجّ الناس بالشكوى، فخاف عيسى من ردّة الفعل، فأمر بإلقاء الجثث في مقابر اليهود!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*