الرئيسية » شخصيات تاريخية » “المراغي” تولى مشيخة الأزهر مرتين وهاجم الإنجليز

“المراغي” تولى مشيخة الأزهر مرتين وهاجم الإنجليز

كتب – وسيم عفيفي
الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر السابق، أحد أبرز المجددين في الأزهر، والداعين إلى التقريب بين المذاهب والطوائف الإسلامية.
اهتم بقضايا المرأة، ووقف منها موقفاً وسطا، وعندما طلب منه الملك فاروق أن يصدر فتوى تحرم على الملكة فريدة الزواج بعده رفض، قائلا : أما الطلاق فلا أرضاه، وأما التحريم فلا أملكه، والمراغي لا يستطيع أن يحرم ما أحل الله”.
رفض أيضًا مشاركة مصر في الحرب العالمية الثانية، وأعلن موقفه صراحة بمقولته: “إن مصر لا ناقة لها ولا جمل في هذه الحرب، وإن المعسكرين المتحاربين لا يَمُتّان لمصر بأي صلة”.
ولد المراغي في التاسع من مارس عام 1881 بالمراغة بمحافظة سوهاج،و ينتهى نسبه إلي الحسين بن علي و فاطمة الزهراء بنت النبي محمد -صلى الله وعليه وسلم.
كان والده يتمتع بسمعة طيبة ومنزلة كريمة في الوسط الذى يعيش فيه، فدفع بابنه إلى حفظ القرآن الكريم ولقنه نصيبًا من المعارف الدينية، بعدها أرسله إلي الأزهر ليكمل تعليمه، وهناك اتصل بالإمام محمد عبده وتأثر به وتفتحت على يديه مواهبه العقلية، وظل وثيق الصلة باستاذه سائرًا على نهجه في التجديد والإصلاح، وفيًا له فى حياته وبعد مماته.
فى عام 1904 تقدم الإمام المراغي لامتحان العالمية، وهو فى الرابعة والعشرين من عمره وهى سن مبكرة بالنسبة إلى علماء الأزهر، فنالها بتقدير الدرجة الثانية، ودعاه الإمام محمد عبده إلى منزله تكريما له، ولما طلبت حكومة السودان من الشيخ محمد عبده اختيار قضاة السودان الشرعيين كان الإمام المراغي فى مقدمة من اختارهم حيث عين قاضيا لمديرية دنقلة بعدها نقل إلي الخرطوم.
كان مرتب القاضى فى السودان أربعة عشر جنيها غير أن المراغي منح زيادة قدرها ستة جنيهات، فرفض قبولها واحتج لدى السكرتير القضائي (وزير العدل)، فقال له السكرتير القضائي إني ﻷعجب لقاض شرعي يرفض ستة جنيها علاوة في الشهر، فقال له الشيخ إن عجبي مثل عجبك من أن القاضى الإنجليزي يتناول خمسين جنيهًا، بينما تستكثر على القاضى الشرعي المصري 20 جنيهًا، وأصر المراغي على مساواة رواتب القضاة المصريين بأمثالهم من البريطانيين، لدرجة أنه تقدم باستقالته وعاد إلى مصر في العام ذاته.
وفي 1908م طلب سلاطين باشا ( وكيل حكومة السودان ) إلى الشيخ المراغي أن يعود قاضياً للقضاة، فاشترط المراغي أن يكون تعيينه بمرسوم يصدر من خديوي مصر وليس من الإنجليز، واستجابت له الحكومة الإنجليزية، فصدر قرار تعيينه قاضياً لقضاة السودان في أول أغسطس 1908م.
وفي السودان أصر المراغي على أن يختار المذاهب والآراء والاجتهادات الفقهية التي يحكم بموجبها القضاة، فكان المؤسس الحقيقي للقضاء الشرعي بالسودان، وكان إبان شغله لهذا لمنصب الرفيع، يضرب به المثل في رجاحة العقل، وفي اعتزازه بكرامته، وفي حرصه على تحرى العدل في أحكامه، وفي حبه لإخوانه من أبناء السودان.

لما وقعت ثورة 1919 بمصر التف المصريون بالسودان حول الشيخ المراغي فقاد جموعهم فى مظاهرة كبيرة، وأخذ يجمع التوقيعات، واستطاع جمع ستة آلاف من الجنيهات، ولم تفلح جهود الإنجليز في إثنائه عن مساندة تلك الثورة، ومن ثم سعوا لنقله من السودان.
عاد المراغي إلى مصر، وتدرج في مناصب القضاء ففي عام 1919م تم تعيينه رئيساً للتفتيش الشرعي بمحاكم مصر الشرعية ، وفي العام التالي عين رئيساً لمحكمة مصر الكلية، وفي العام الذي يليه عين عضواً بالمحكمة الشرعية العليا، وفي ديسمبر 1923م عين رئيساً لها، وقام بعدَّة إصلاحات مهمَّة في مقدمتها تشكيل لجنة لتنظيم الأحوال الشخصية برئاسته، ووجه اللجنة إلى عدم التقييد بمذهب الإمام أبى حنيفة إذا وجدت فى غيره ما يناسب المصلحة العامة للمجتمع.
ونال الشيخ المراغي عضوية هيئة كبار العلماء فى 16 أكتوبر 1924م، وفي 1928 م تم تعيينه شيخًاً للأزهر وهو في السابعة والأربعين من عمره، وبذلك يكون أصغر من تولى المشيخة.
وكان مهتماً بإصلاح الأزهر، وعندما حالت العقبات بينه وبين ما أرداه من إصلاح استقال من منصبه في عام 1347هـ/1929م، وفي المحرم 1354هـ / أبريل 1935م أعيد تعيين المراغي شيخاً للأزهر على أثر المظاهرات الكبيرة التي قام بها طلاب الأزهر وعلماؤه للمطالبة بعودته لمشيخة الأزهر لتحقيق ما نادى به من إصلاح .
ويعد الشيخ المراغي من أوائل المجددين والمصلحين في مجالي القضاء والأزهر، وكان إصلاح القضاء هو الاهتمام الشاغل له لتحقيق العدل والإصلاح بين الناس، وكان يرى أن إصلاح القانون هو إصلاح لنصف القضاء، لذلك شكل لجنة برئاسته تكون مهمتها إعداد قانون يكون هو الركيزة الأساسية للأحوال الشخصية في مصر، وكان من الأئمة المجتهدين واشتهر بكتابه المشهور” الاجتهاد”، الذي كان منهجاً علمياً للعلماء والمصلحين والمجددين.
وبعد توليه مشيخة الأزهر أقبل بعزيمة قوية على النهوض بالأزهر ليتبوأ المكانة الجديرة به في تاريخ النهضة الإسلامية، فألف لجاناً برئاسته لدراسة قوانين الأزهر ومناهج الدراسة فيه، و تنقيح هذه القوانين والمناهج حيث كانت لديه أفكار واضحة في مجال الإصلاح ، واعتمد على ما بدا في الأزهر من ميل للتجديد من بعض العلماء والطلاب، فأعلنها صريحة أنه يريد إصلاحا يقضي علي كل أثر فيه للجمود، ومن ثم قام بوضع مذكرة عن منهجه في الإصلاح، تضمنت الاهتمام بالدراسات العليا, واقتراح بإنشاء ثلاث كليات عليا مع إنشاء أقسام عديدة للتخصص تنقسم إلى نوعين تخصص المهنة وتخصص المادة.
كان لهذه الإصلاحات صداها حيث ثار عليه بعض من أنصار الأزهر القديم ولكنه لم يبال بذلك، ولكن الملك فؤاد أخذ جانب المعارضين لفكرة الإصلاح، وحين قدم المراغي قانون إصلاح الأزهر إليه رفضه الملك، مما دفع المراغي لتقديم استقالته في العاشر من أكتوبر1929م.

في يناير1935 خرج الطلبة وعلى رأسهم الشيخ أحمد حسن الباقوري يطالبون بعودة المراغي, واستحكم النزاع والإضراب، وحين خشي الإنجليز من تعبئتهم الرأي ضدهم، فتنازلوا عن موقفهم ضد الشيخ المراغي، وانتهت الأزمة بتوقيع الملك فؤاد مرسوما فى27 أبريل 1935 بإعادة الشيخ المراغي إلى مشيخة الأزهر.
وباشر المراغي تنفيذ وجوه الإصلاح التي بدأها، فأصدر القانون رقم 26 لسنة 1936م، وقد ألغي به القانونين الصادرين في سنة 1923 و1930م، وكان يهدف إلى جعل الدراسة بالأزهر ابتدائية وثانوية وعالية ومرحلة تخصص، كما قام بتطوير المناهج الدراسية على النحو الذي يجمع فيه بين الأصالة والتجديد.
وأسهم الشيخ المراغي في إنشاء العديد من الهيئات الجديدة بالأزهر ومنها: قسم الوعظ والإرشاد، ولجنة الفتوى، كما أدخل تعديلات على جماعة كبار العلماء واشترط لعضويتها أن يكون العضو من العلماء الذين لهم إسهام في الثقافة الدينية، وأن يقدم رسالة علمية تتسم بالجرأة والابتكار.
ودعا المراغي للتقريب بين المذاهب الإسلامية والتقريب بين طوائف المسلمين، وبذل في سبيل ذلك الكثير، وتلخصت آراؤه للتقريب بين المذاهب والأديان من خلال بحث بعنوان( الزمالة الإنسانية والأخوة العالمية ) ألقاه أخوه عبد العزيز المراغي في مؤتمر لحوار الأديان بلندن عام 1936.
جهر الشيخ المراغي بموقفه كشيخ للأزهر بالرأي الإسلامي والوطني من المخطط الصهيوني المتحالف مع بريطانيا لاغتصاب أرض فلسطين، وبعث برقية احتجاج إلى المندوب السامي البريطاني في القدس بسبب الأحداث الدامية في فلسطين، وفي جمادى الأخرى 1357هـ/ أغسطس 1938 م تحرك الشيخ المراغي ودعا العلماء إلى اجتماع من أجل فلسطين نددوا فيه بالسياسة البريطانية ودعوة العلماء لزعماء البلاد للتعاون من أجل مقاومة الاستعمار البريطاني والمحافظة على الآثار المقدسة من الأخطار الموجهة إليها وعندما عقد المؤتمر البرلماني العالمي بشأن القضية الفلسطينية في شعبان 1357هـ/ أكتوبر 1938م, شارك فيه وأعرب عن تأييده للقرارات التي اتخذها المؤتمر.
وتعددت أنشطة المراغي الاجتماعية وفي مقدمتها اهتمامه بقضايا المرأة، ووقف منها موقفاً وسطا, فقد دعا المرأة إلى الاعتدال في الحياة بالحصول على حقوقها في حدود الشريعة، وقاد حرباً على تغلغل البدع والخرافات في حياة العامة من المسلمين.
ومن المحن التى تعرض لها الإمام المراغي ولقى ربه على أثرها، ما حدث له سنة 1945 فقد طلق الملك فاروق زوجته الأولى الملكة فريدة، وأراد أن يحرم عليها الزواج بعده، فأرسل إلي الشيخ يطلب منه فتوى تؤيد رغبته فرفض، فأرسل إليه الرسل يلحون عليه – وكان الشيخ يعالج بمستشفى المواساة بالإسكندرية- فرفض الاستجابة، وضاق الملك ذرعا بإصراره على الرفض، فذهب الملك إليه فى المستشفى محتدا، فقال له الشيخ عبارته الخالدة: أما الطلاق فلا أرضاه، وأما التحريم فلا أملكه، وطال الجدل وصاح المراغي بأعلى صوته قائلا : إن المراغي لا يستطيع أن يحرم ما أحل الله، وعلى إثر هذه المقابلة انتكست صحة الشيخ ولم يلبث قليلا حتى لقى ربه، في 22 أغسطس 1945م.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*