الرئيسية » رموز وشخصيات » “نظام الملك” أشهر وزراء الإسلام الذي كان أول من اغتاله الحشاشين
عمل فني يصف مقتل نظام الملك'
عمل فني يصف مقتل نظام الملك'

“نظام الملك” أشهر وزراء الإسلام الذي كان أول من اغتاله الحشاشين

كتب – وسيم عفيفي
نظام الملك هو واحد من أعظم الشخصيات التاريخية، الذين كان لهم دور كبير في خدمة الشريعة الإسلامية، سواء على صعيد الحكم والإدارة أو على صعيد التأليف والبناء، كما كان له دور بارز في محاربة المد الشيعي بكل ما حمل من قوة، حتى كانت أول عملية اغتيال قام بها الباطنيون الحشاشون في التاريخ، كانت عملية اغتيال نظام الملك.

وصفه الإمام الذهبي رحمه الله: “الوزير الكبير، نظام الملك، قوام الدين، أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي، عاقل، سائس، خبير سعيد متدين، محتشم، عامر المجالس بالقراء والفقهاء، أنشأ المدرسة الكبرى ببغداد وأخرى بنيسابور، وأخرى بطوس، ورغب في العلم وأدر على الطلبة الصلات، وأملى الحديث، وبعد صيته”.

وفق الألوكة فقدنشأ نظام الملك يتيم الأم، فقد ماتت أمه وهو رضيع، فكان أبوه يطوف به على المرضعات فيرضعنه حسبة، وكان أبوه من الدهاقين يعمل بالتجارة، وهو من أصحاب محمود بن سبكتكين رحمه الله صاحب غزنة، إلا أنه فرَّغ ولده الحسن للعلم، فقرأ القرآن وله إحدى عشرة سنة، وتعلم علوم القرآن والفقه وسماع الحديث والنحو والعربية والحساب، ونبغ فيها كلها

أخذ نظام الملك العلم عن الإمام أبي القاسم القشيري، وأبي مسلم بن مهربزد الأديب، وأبي حامد الأزهري وأبي منصور شجاع بن علي. وروى عنه أبو محمد الحسن بن منصور السمعاني ومصعب بن عبد الرزاق المصعبي وعلي بن طراد الزينبي، ونصر بن نصر العكبري، وجماعة. وكان رحمه الله فيه خير وتقوى، وميل إلى الصالحين، وخضوع لموعظتهم، يعجبه من يبيِّن له عيوب نفسه، فينكسر ويبكي

كان نظام الملك عالي الهمة، فمع انشغاله بالعلم إلا أنه كان يعمل في الخدمة لدى الأمراء، وحصل له يومًا أن جاءه رجل فقال له: إلى متى أنت تخدم من تأكله الكلاب غدًا؟ اخْدُمْ مَنْ تَنْفَعُكَ خِدْمَتُهُ، وَلَا تَخْدُمْ مَنْ تَأْكُلُهُ الْكِلَابُ غَدًا. قال: فَلَمْ أَفْهَمْ مَا يَقُولُ، فَاتَّفَقَ أَنَّ ذَلِكَ الْأَمِيرَ سَكِرَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَخَرَجَ فِي أَثْنَاءِ اللَّيْلِ وَهُوَ ثَمِلٌ، وَكَانَتْ لَهُ كِلَابٌ تَفْتَرِسُ الْغُرَبَاءَ بِاللَّيْلِ، فَلَمْ تَعْرِفْهُ فمزقته، فَأَصْبَحَ وَقَدْ أَكَلَتْهُ الْكِلَابُ
فكان لهذا عظيم الأثر في نفسه، فما كان منه إلا أن نذر نفسه خدمة للصالحين والعطف على الفقراء والمحتاجين، ولذلك كان كثير الإنعام على الصوفية، فحصل له من ذلك خير كثير في دينه.

سار نظام الملك رحمه الله في الخدمة إلى غزنة، وكاتبا نجيبا، إليه المنتهى في الحساب، وبرع في الإنشاء، وكان ذكيا، لبيبا، يقظا، كامل السؤدد، ولعلو همته تقلد في المناصب حتى تنقلت به الأحوال إلى أن وزر للسلطان ألب أرسلان فدبر أمره فأحسن التدبير، وبقي في وزارته عشر سنين،، ثم وزر لابنه ملكشاه عشرين سنة، فدبر ممالكه على أتم ما ينبغي، وخفف المظالم، ورفق بالرعايا، وبنى الوقوف، وهاجرت الكبار إلى جنابه، وازدادت رفعته. فكان مجموع خدمته في دولة السلاجقة ثلاثين سنة، لم يُنكب في شيء منها

كما اهتم نظام الملك بالتنظيمات الإدارية فكان اليد الموجهة لأداء الدولة في عهد السلطان ألب أرسلان، واتسعت سلطاته في عهد السلطان ملكشاه، فأشرف بنفسه على رسم سياسة الدولة الداخلية والخارجية بشكل كبير، مستفيدًا من فهمه ومعرفته لنظم الإدارة، وقد تضمن كتاب “سياست نامه” الذي ألفه في الآراء والنظريات الإدارية التي تعتبر أساسًا لنظام الحكم وإدارة الدول والممالك، ويأتي في مقدمتها وقوفه بشدة ضد تدخل أصدقاء السلطان المقربين في شئون الدولة، حتى لا يتسبب ذلك في اضطراب إدارتها.
كذلك كان يهتم بشكل خاص بالبريد الذي كان رجاله يوافون الحكومة بكل أخبار البلاد الخاضعة لها.
هذا فضلًا عن حرصه الشديد على إرسال المخبرين إلى جميع الأطراف في هيئة التجار والسياح والمتصوفة والدراويش والعقارين، يتنسمون الأخبار، ويرسلونها للسلطان أولًا بأول حتى لا يخفى عليه شيء من أمور مملكته، وكان يغير الولاة والعمال مرة كل سنتين أو ثلاث ضمانًا لعدم تلاعبهم في أعمالهم. كما رتب نظام الملك في كل مدينة رجلًا نزيهًا لمراقبة الوالي والقاضي والمحتسب ومن يجري مجراهم من الموظفين وموافاتهم بأخبارهم أولًا بأول، كذلك كان نظام الملك يدقق في اختيار الموظفين، فيختار من كان منهم أغزر علمًا وأزهد نفسًا وأعف يدًا وأقل طمعًا.

قال ابن الأثير: “كان عالِمًا، ديِّنًا، جوَادًا عادلاً، حليمًا، كثير الصفح عن المذنبين، طويل الصمت، وكان إذا سمع المؤذن أمسك عن كل ما هو فيه وتجنبه، فإذا فرغ لا يبدأ بشيء قبل الصلاة، وكان إذا غفل المؤذن، ودخل الوقت يأمره بالأذان، وهذا غاية حال المنقطعين إلى العبادة في حفظ الأوقات، ولزوم الصلوات.

وأسقط المكوس، والضرائب، وأزال لعن الأشعرية من المنابر، وكان الوزير عميد الملك الكندري قد حسن للسلطان طغرلبك التقدم بلعن الرافضة، فأمره بذلك، فأضاف إليهم الأشعرية، ولعن الجميع، فلهذا فارق كثير من الأئمة بلادهم، مثل إمام الحرمين، وأبي القاسم القشيري، وغيرهما، فلما ولي ألب أرسلان السلطنة أسقط نظام الملك ذلك جميعه، وأعاد العلماء إلى أوطانهم.

بحلول القرن الخامس الهجري كانت فرقة الباطنية الشيعية أو الحشاشين بقيادة حسن الصباح تمثل خطرا داهما على الأمة الإسلامية والمشروع السني، وهو ما فطن إليه نظام الملك جيدًا، فعمل من أول يوم على وأد أي تحرك لهذه الأفكار الباطنية الضالة؛ إذ كان نظام الملك دائمًا ما يندد أشد التنديد بطائفة الإسماعيلية والتي انحدرت منها الباطنية، ويقول إنها تهدد وحدة الدولة، بل إنه اتهم هذه الطائفة في كتابه (سياسة ناما) بأن زعماءها من نسل المزدكية الشيوعية أهل فارس الساسانية
وعلى الجانب الآخر، فقد انتهج الباطنيون / الحشاشون أسلوب الاغتيالات السياسية لكل من يقف عقبة في طريق المد الباطني في بلاد المسلمين، ولم يكن أمامهم في ذلك الوقت إلا نظام الملك، الذي أخذ على عاتقه محاربتهم والقضاء على فتنتهم.

وفي يوم العاشر من رمضان عام 485 هـ، خرج نظام الملك مع السلطان ملكشاه من أصبهان قاصدا بغداد، فاجتاز في بعض طريقه بقرية بالقرب من نهاوند، وحان وقت الإفطار فصلى نظام الْملك الْمغرب فِي هَذِه اللَّيْلَة وَجلسَ على السماط وَعِنْده خلق كثير من الْفُقَهَاء والقراء والصوفية وَأَصْحَاب الْحَوَائِج، فَجعل يذكر شرف الْمَكَان الَّذِي نزلوه من أَرض نهاوند وأخبار الْوَقْعَة الَّتِي كَانَت بِهِ بَين الْفرس وَالْمُسْلِمين فِي زمَان أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَمن اسْتشْهد هُنَاكَ من الْأَعْيَان وَيَقُول: “هذا الموضع قُتل فيه خلق كثير من الصحابة زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين فطوبى لمن كان معهم”.
فلما أفطر جاءه صبي ديلمي في هيئة مستغيث ومعه قِصَّة، فدعا له الصبي وسأله تناولها، فمد نظام الملك يده ليأخذها، فضربه الصبي بسكين في فؤاده، وهرب الصبي، فعثر عليه في طُنُب الخيمة، فأُخِذ فقُتل، وَجَاء السُّلْطَان ملكشاه حِين بلغه الْخَبَر مظْهرًا الْحزن والنحيب والبكاء، وَجلسَ عِنْد نظام الْملك سَاعَة وَهُوَ يجود بِنَفسِهِ حَتَّى مَاتَ

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*